صديق الحسيني القنوجي البخاري

63

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في فداء أبي العاص وبعثت فيه بقلادة ، فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رق رقة شديدة وقال : « إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها » « 1 » . وقال العباس : إني كنت مسلما يا رسول اللّه قال : اللّه أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فاللّه يجزيك فافد نفسك وابني وأخويك نوفل بن الحرث وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو ، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ونزلت قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى الآية « 2 » ، الحديث مختصرا والروايات في هذا الباب كثيرة ، قال العباس : فأبدلني اللّه خيرا مما أخذ مني ، عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية ، وأعطاني زمزم وأنا أنتظر المغفرة . ولما ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيرا ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة ، بل هو مماكرة ومخادعة فليس ذلك بمستبعد منهم فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل أن يظفر بهم فكفروا به وقاتلوا رسوله فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ بأن نصرك عليهم في يوم بدر فقتلت منهم من قتلت وأسرت من أسرت وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما في ضمائرهم حَكِيمٌ في أفعاله بهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 72 إلى 73 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 72 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ختم اللّه سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به ، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلبا لما عند اللّه وإجابة لداعية ، وسبقوا للهجرة بأن هاجروا قبل العام السادس عام الحديبية بدليل قوله فيما يأتي وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ بأن هاجروات بعد عام الحديبية وقبل الفتح . وَالَّذِينَ آوَوْا هم الأنصار آووا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المهاجرين

--> ( 1 ) المستدرك 4 / 45 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 353 .